الجمعة، 24 ديسمبر 2010

أمان ...3






أسند أمان ظهره وأرخى جسده في مكانه المعهود بعد تناول وجبة الإفطار وأغمض عينيه مستمع لصوت المذياع وخلال لحظة ’فقط لحظة سافر بفكره إلي مكان وزمان بعيدين .....يوم أن كان صغيراً وبالتحديد وقت الإفطار الزاخر بالحركة والصخب وأصوات الأطفال المختلطة بصوت المذياع الذي يشق طريقه ليُسمع من يمشي في آخر الشارع ,لم يكن والد أمان يعاني من ضعف السمع ولكنها طريقته ومزاجه في الإستماع ...الله يكون في عون الأم على كم الإزعاج هذا ...من ينظر لهاوهي تُعد الإفطار يعتقد أنها تقول في نفسها (استعنا بالله على هذا الشقاء,الحمد لله أنه يوم واحد ).





قديماً كانت الإجازة الاسبوعية يوم واحد ....وعلى الرغم من ذلك إلا أن والد أمان كان يمُشيه على نظام معين الإستيقاظ في الساعة السادسة صباحا ً ,الإفطار في السادسة والنصف ويتساءل أمان الآن بينه وبين نفسه :ما الحكمة من الإستيقاظ المبكر ..لم لَم يتركنا والدي ننعم بقليل من النوم في ذلك اليوم ,يوم الإجازة الوحيد اليتيم ؟





ربما لأننا لا نتناول إفطارنا معه بحكم خروجنا من البيت باكراً بينما كان يغط في نوم عميق ,ربما أراد لنا أن لا نخل بنظام الإستيقاظ ربما أراد أن يقضي أكبر فترة ممكنة معنا ,ربما كان يشتاق لللمة الصباحية بحكم نشأته يتيم لم يرى والده وأراد أن يشعرالأبناء بوجوده معهم ....’ربما أراد أن يُشعر الطفل اليتيم داخله بدفء الأبوة و يملأ مكاناً ظل فارغاً منذ فجر طفولته ,ربما نظر والدي للأمر من هذه الزاوية ...ولم يدرك كم كان حلمه غالي الثمن وكم كانت لحظة الإستيقاظ بالنسبة لنا صعبة .




ورغم صعوبة الإستيقاظ باكراًإلا أنه ضروري في نظر والده ولا يبدأ إفطاره إلا بتواجد الجميع .... وبالطبع هناك من يحاول أن يتمرد ويقتطع لحظات من النوم فيتأخر قليلاً لكن حركات التمرد هذه سرعان ما يُقضى عليها في حينها ,لقاء الجمعة الصباحي قانون كطابور الصباح .





هناك وضع محير يتكرر في كل مرة وهو أن والده عندما ينجح في طرد شبح النوم عن أولاده ويجعلهم في قمة نشاطهم وحيويتهم وينسون قصة النوم هذه نهائياً ليس لعدم رغبتهم فيه ولكن لسبب واحد هو أن عليهم الإنتباه لعين الوالد التي كانت تلاحظ وتكتشف أي محاولة للنوم أو النعاس من أن تقترب منهم ,هو يريدهم حضور جسدياً وذهنياً وفي هذه الفترة بالذات يسمح لهم بأن تتعالى أصواتهم (آه كم رغبت بالنوم في تلك الأيام قالها أمان في نفسه) كان حلما جميلاً وبعيييييد المنال ......الوضع المحير كان وضع الوالد فسرعان مايستسلم لنوم عميق بجانب جهازه الذي يصدح بصوته العالي .......(نام أبي ) يقول بعضهم لبعض وعندما يلاحظ الأبناء نومه تبدأ المناوشات بينهم وعينهم على والدهم لأنهم يدركون أن نظرة واحدة منه كانت كافية ليتجمد الجميع في مكانه وهذه فرصتهم للتصرف على طبيعتهم الشقية ,في حضور الوالد كانوا كالملائكة وعندما يغيب يتحولون لشيئ آخر يصعب السيطرة عليه .






تذكر أمان كم كانت تسعده الزيارة الصباحية لجدته والتي كانت تتفقد ابنتها وأحوالها مع هذا الكم الكبير من الأبناء ,كان قدومها يضفي جو مختلف تماماً ,يتحلق الأطفال من حولها تمازحهم وتقص لهم القصص لتخفف من شقاوتهم ولتريح ابنتها من ازعاجهم تدرك بحسها نوع الإهتمام الذي يحتاجه كل منهم ... لقد كانوا بحاجة لطاقة شخصين أو ثلاثة لتتم السيطرة عليهم ..... وكانت الجدة تملك كل تلك الطاقة وهذا يعود لكم الحب الذي تحمله لهم ولتمتعها بمهارة من نوع خاص .







تذكر يوم أن بكت والدته عندما فشلت في السيطرة على أحد الأبناء ....تذكر عندما جلست بجانبها والدتها وقالت لها : استعيذي بالله من الشيطان الرجيم ,البيت لا يكون جميل بدونهم ,إنها مسألة وقت ,سيكبرون وستجدين منافعهم ,كانت والدته سيدة عاقلة حنونة وطيبة إلى حد بعيد , تذكر أمان ألم والدته وقلة حيلتها .........ترقرقت عيناه بالدموع لكنها أبت أن تنزل على وجنتيه فحفظ لها رغبتها ومسحها ومسح معها ذكرى ثقيلة فرضت نفسها عليه يوم أن سمع صوت المذياع .



نهض أمان من مكانه واتجه نحو النافذة وكأنه يفك ارتباطه بتلك التجربة ويبعد عنه اجتياح المشاعر وينتشل نفسه من أعماق تجربته.


هناك 12 تعليقًا:

Ahmed Mustafa - zema يقول...

امان و رحلة الماضي

صدقيني اختي لا احدا منا لا يشتاق الى الماضي
بل بالعكس اجيء بذكريات من الماضي حتى تكسر ظلام الحاضر و تعاسته

شكرا اختي على الجزء الثالث من امان :)
و في انتظار الرابع باذن الله

الحياة الطيبة يقول...

الماضي أحمد Zema مصدر قوة وتسلية وترويح عن النفس عندما نضيق بحاضرنا كما ذكرت والماضي جزء منا وبفضله وصلنا لما نحن عليه ....الحاضر أحمد جميل وغني في عمومه إن كبرنا إدراكنا وسنصنع منه ماض نفخر به يوماً ما ,نورت المدونة ,تحياتي .

مـي يقول...

الماضي جميل جدا بزحمة أحداثه وصدق مشاعره ، والأجمل مكانة الأهل وإن رحلوا تبقى لهم أصدق الدعوات ..

الحياة الطيبة يقول...

صدقت مي الماضي جميل ومكانة الأهل تضيف له جمال فهم زينته رفع الله درجتهم ,تحياتي غاليتي .

خاتون يقول...

السلام عليكم

أخييييــــه على الماضي ماضيهم أو ماضينا له نكهتة جميلة وبالذات مشاعر
والبشر
وفقت بالوصف ونقل المشاعر لنا
وأسلوب ممتع ..ولم يتسلل الملل
لي وخلص بسرعة على انه ليس بالقصير

جمــــجداــــيل
موفقة ^_^

الحياة الطيبة يقول...

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ,كم أسعدني رأيك في قصة أمان ...شكراً من القلب أختي خاتون ,تحياتي .

أحمد محمدي يقول...

كل ما عليها فان ويبقى وجه ربكِ ذو الجلال والاكرام
اللهم الفراق قد كتب علينا وانت قد كتبت الرحمة على نفسك
فارحمنا حين نتذكرهم

وشكرا

الحياة الطيبة يقول...

,نورت المدونة أحمد محمدي وإضافة جميلة ,تحياتي .

شمس النهار يقول...

الماضي واللمه وبيت العيلة

وابي رحمه الله

كان برضوا بيصحي ست الصبح
:))

احن الي بيت العيلة واللمة وافطار وبخور وقران يوم الجمعة

تسلم ايدك

كل سنه وانتي طيبه

:))

BookMark يقول...

قرأت للتو الأجزاء الثلاثة

مستمتعة وبانتظار البقية :)

الحياة الطيبة يقول...

الله يسلمك شمس النهار ,وأكثر ما نفتقد اللمة ,الآن الكل مشغول إما بالموبايل أو الكمبيوتر وغيرها من الأجهزة ....كلٌ في عالمه وإن كانوا في مكان واحد ,وما قصة أمان إلا حنين للماضي وكل عام وأنت بخير ,تحياتي .

الحياة الطيبة يقول...

جيد, سيأتي الجزء الرابع الليلة
تحياتي Book Mark>