الخميس، 20 يناير، 2011

أمان ....10




أثناء سير أمان في طريقه الذي اعتاد أن يقطعه كل يوم يستنشق فيه هواء نقي ويصفي فيه روحه ويتعرف على مايدور في رأسه من أفكار ,تذكر كم أضاع الكثير من الوقت في أن يكون جاهز لتقديم أقصى مايستطيع وأحياناً كان فوق الإستطاعة والإمكان لكنه كان يقدمه على أية حال ....(قد أسرفت في هذه الناحية قال أمان في نفسه )وكيف لا يفعل ذلك وهو الذي حمل اعتقاد قديم يقول أن من دماثة الخلق أن توفر حاجة الآخرين حتى قبل أن يطلبوها . وتقدمهم على نفسك .....(كم وضعت نفسي في مآزق بسبب هذا الإعتقاد) .



لم يكن له هم في الدنيا سوى أن يريح الآخرين وفي غمرة إنشغاله نسى أن يريح نفسه ....كل هذه السنين ولا هم له إلا أن يقدم ويقدم ,ولأن هموم الآخرين لا تنتهي فلم ينتهي منها ,استولت عليه وغمرته ليصحو ذات يوم على حقيقة جاءت متأخرة وتمشي على مهل وقدمت له ورقة كُتب فيها (من ينكر عليك أولوياتك ويشغلك بمطالبه ...يوماما سيتجاهلك وينكرك ,هي فقط مسألة وقت وسترى بعينيك ) .



غريبة هي دنيانا وغريبة أحوالنا فيها ,ممكن جدًا في وقتنا هذا أنك تكون ساذج جدًا وأكبر مما تعتقد وتحتاج لمن يوعيك بكم كلمة بكم موقف وكم رسالة .


تذكر أمان يوم أن استمع إلى شكوى قريبته من تقلب أحوال بعض البشر وكيف تحولوا إلى كائنات فضائية قالت : هل من الممكن أن يذهب كل شيئ هباء ؟ قال أمان ممكن جداً ثم اعتدل في جلسته وقال:...حسنًا فاليذهب من أمامهم ,ليتناسوه وليحرقوه لكنه باقي عند الله وعلى كل كنت بصنيعك تبتغين ما عند الله وليس ما عندهم أم أنك قدمت ما قدمت مقابل شيئاً ما؟


ردت :كلا لم أفعل .


قال أمان :قد تعلمت خطأ في مرحلة ما أن من سمو الأخلاق أن تبري الآخرين , لتبريهم لكن ليس على حساب راحتك ونفسك ...ليس على الدوام ,لن يفيدك أن تعمري الخارج وفي الداخل بحاجة للبناء .
نعم ما تقوله صحيح .
رد أمان:على العموم لم يفت الوقت لتبدأي بمعتقد جديد .
لا لم يفت أمان ردت قريبته .
قال أمان :أتدرين بماذا ذكرتني دموعك ؟
بم ؟ردت قريبته .
قال أمان :ذكرتني بالطفل عندما يتألم ويبكي بصوت عال فيسارع أحد الوالدين لتقديم المساعدة ,لاحتواءه ,لتهدئته .
الطفل يدرك أن الوالدين يفديانه بروحيهما ...هو يدرك ذلك بطريقة ما ,لذا يتعلق نظره بهما ويتوقع منهما الكثير أليس كذلك ؟
قالت هو كذلك بالطبع ,لكني لم أفهم؟


قال أمان : حسناً سأوضح أكثر ,ما أن يلم بنا أمر ونتألم ويُترجم ألمنا إلى دموع فإن الله يرى كل ذلك ..عندما كنا صغار كان بصرنا يتجه للوالدين وكان هذا قدر إدراكنا لكن الآن عندما نتألم يجب أن يتجه قلبنا نحو الله لنستمد منه المساعدة ....الإستعانة بالقوي تمنحنا القوة ,الإستعانة بمحب توفر النصرة .






الله وحده القادر على إزاحة ذلك الإحساس بالكامل وملئ فراغ شعرت به يوم أن ضعفت وقل فيه وعيك , لطف الله هو الذي وجه نظرك في هذا الموقف والمواقف الأُخرى فكان الألم يُرشد لموضع الخطأ ولولا ذلك الألم لأضعت جهدك ووقتك في المكان الخطأ ....مواقف حياتنا تهدي فوائد بقدر الألم وأحيانا أكبر .... وتقدم الحلول .
قالت باستحياء ربما لأنها ضعفت :أحيانا تبدو تحدياتناوكأنها لن تحل .
قال أمان:أغلبها تبدو كذلك وأضاف بصوت هادئ :وكلها تحل ,لكن في البداية تبدو وكأنها أسلاك متشابكة وما أن نبدأ بتفكيكها حتى نكتشف أن عملنا غاية في السهولة .
كم أحب أن أستمع لكلماتك وكم أشعر أنها مريحة .
قال أمان :على الرحب والسعة .


وصل أمان إلى آخر نقطة حددها وقرر أن يبدأ طريق العودة ,لفت نظره طفلان يلهوان بدراجتيهما .....وتذكر طفلي صديقه سليمان .
قد كان لصديقه طفلان واحد في الخامسة والآخر في الثالثة وكان ابن الثالثة نجيب وذكي بصورة جلية .
قرر يوما أن يخرج بصحبة الكبير منهما فغمز لزوجته أن ألبسيه ليخرج معي فصارت الأم تلبس الكبير وتجهزه للخروج ..والصغير يرى ما يحدث وملتزم بالصمت ,لم يبكي ,لم يحتج بصوت عال لكنه ظل يوجه نظره للأسفل كمن يفكر ثم فجأة رفع رأسه وقال لوالده: أبي.
نعم رد الوالد.
هل أنت متأكد من أنني ابنك؟
استغرب الوالد السؤال ونظر لولده محاولاً أن يستنطقه ويعرف سبب سؤاله .
صمت الابن قليلاً ثم سأل :مئة في المئة ؟
نعم مئة في المئة أجاب الوالد .
قال الابن :تقصد أنك لم تأخذني من أُناس فقراء لتربيني ؟
أجاب الأب لا لم آخذك من عند أُناس فقراء .
قال الإبن :حسنا ,لدي رجلان أستطيع أن أمشي بهما ,لم لا تأخذني معك وأنا ابنك وأستطيع أن أمشي فلا تحتاج أن تحملني ؟.....لم تغمز لوالدتي ,ألا تحبني ؟
حضن الأب ابنه وقال :بلى ,بلى أنت ابني وأنا أحبك ...قال الأب هذه الكلمات والدموع تتحدر من عينيه وألبس ابنه بنفسه وأخذه معه .
نظر الأب للأم فإذا هي مُتأثرة من كلماته التي تنطق بالذكاء وقالت لوالده في وقت لاحق :أتصدق أنني كنت أغني له أغنية بصوت خافت لأحمله على النوم وهذه الأغنية مشهورة في الخليج (حمادين وهوه ,مايشرب القهوة ,طول الليل يسري )وفجأة صرخ قائلاً :أنا كلب ؟
قالت له :من قال أنك كلب ؟
رد بسرعة :من هو هذا الذي يقول وهوه وهوه .....من الذي لا يشرب القهوة ....من الذي طول الليل يسري ,أليس هو الكلب ؟
قالت الأم للأب :أنا طول عمري أسمع الأغنية ولم أفكر يوماً بالكلب .
رد الأب :ماشاء الله الولد ذكي وأتوقع أن أراه قيادي .....لكن لم يطل العمر بصديقي سليمان فقد توفاه الله وأتمنى أن أرى ابنه قيادي كما توقع رحمه الله رحمة واسعة

الاثنين، 17 يناير، 2011

أمان ....9


عندما تغيب الثقة بالنفس فإن ما يحدث هو أننا نبني حدود بأيدينا ونصنع قيود وننشئ سقف صناعة محلية ,إن مجرد التفكير بالحدود يصنعها ويحولها من فكرة لواقع تستطيع أن تلمسه بيدك , بالمقابل عندما نثق بأنفسنا فإننا سنتفاجأ بالمكان الذي وصلنا له ,لم ؟

لأن الثقة وجهتنا نحو مانريد وتعاملنا معه وكأنه أمر مُنجز .

نحتاج لثقة بالنفس نستطيع بها أن نصل لطاقات مدفونة ,هي مدفونة فقط لأننا مااعتقدنا أننا نملكها لذا لم نستدعيها أو نستعملها ,الثقة تساعدنا على اكتشافها واستخراجها واستعمالها .

نحن نصدق بالأشياء التي نراها أمامنا ...حسنا هذه الأشياء لا نستطيع أن نراها فهل يدل ذلك على أنها غير موجودة ,عندما لا نرى الهواء هل يدل ذلك على أنه غير موجود ؟

,أحياناً قد يوقفنا ما يعتقده الآخرون عنا ,بما يمكن أن نحققه فلا يرون أننا نستطيع فيثنوننا رأفة بنا أو حتى لا نصطدم بحقيقة أننا لا نملك القدرة ,الموهبة والأمر كله فكرة ...فكرتهم بمستوى قدراتنا , بحدودنا وهي بعيدة عن الحقيقة أيضاً....ما يعتقده الآخرين عن حدودنا أو يصدقوه هو مجرد اجتهاد فردي فهل يعرفوننا أكثر من أنفسنا ربما هم أيضاً لا يعرفون حقيقة ما يملكون ؟
سنصل لما نريد وسيحدث إن نزعنا من قاموسنا كلمات مثل (قيد ,حاجز ,حد ,فاصل,سقف , لا أستطيع ,مستحيل ,لا يمكن ,أبدًا ,رأي الآخرين ) مانملكه لا يمكن قياسه فمن أين عرفنا حجمه ؟


سجل أمان هذه الكلمات في مفكرته ثم أغلقها واتجه نحو النافذة فقد تجمع عدد كبير من الطيور لإلتقاط حبات الخبز الصغيرة والتي وضعها أمان لهم كم كان منظرهم جميل وتذكر حديث الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ,تغدو خماصاً وتروح )بطاناً .
فهي في أول التهار تكون ضامرة البطون من الجوع فتذهب للبحث عن الطعام وتستجلب رزق الله بحسن توكلها وفي آخر النهار تعود ممتلئة البطون .....ووقفت نفسه عند تلك الحقيقة .
قال في نفسه أعجزنا أن نكون كالطير وما الذي ينقصنا وما الذي نحتاج له ؟
ودون نقطتين :
*ثقة بالله .
* ثقة بما وهبنا .
ثم تساءل ماالذي يصرفنا؟
ودون
*عدو طالب شديد العداوة .
*نفس تلهو بالماديات وتركن للكسل والراحة .
*أفكار سالبة تضعف ,تحبط,تؤلم وتسحب من رصيد الثقة .


تذكر أمان يوم أن ضعف ومر بأوقات عصيبة ,مكث في مكان وأطال المكوث ...نظر له والده وقال : مم تخاف ؟ من الموت ؟ كلنا سنموت ؟

تعجب أمان كيف أدرك والده شعوره بالضبط وجاء به ونزعه من جذوره ووضعه أمامه ...كان بمثابة مفتاح الذي فتح أقوى وأصلب باب ,بعد هذا السؤال انقشع الضباب المزيف الذي ظل قابع مدة ليست بالقصيرة ويذكر أمان أنه في اليوم التالي الذي زار فيه بيت والديه نظر له والده وقال أدرك الآن أنك على مايرام فقد رجعت لك ابتسامتك ,ضحك أمان من القلب وأبان طقم الأسنان كاملاً .

عندما تذكر أمان تلك الإبتسامة التي أظهرت جميع أسنانه طرح موقف طريف نفسه ....عندما سافر والديه إلى مصر مع الأبناء وتفاجأ الأب بألم في أسنانه وزار طبيباً هناك ونصحه بأن يقتلع مابقي من أسنانه ويركب طقمًا صناعياً وبالمرة والدة أمان أرادت أن تكشف على أسنانها فنصحها الطبيب أن يعمل لها هي الأخرى طقم علوي ...وكان يوماً عصيباً فليس من السهل الإقدام على هذه الخطوة أو حتى احتمال تبعاتها ,المهم أن الوالد عندما جلس في غرفته بالفندق نظر لأم أمان وقال لها :أم أمان ,نظرت له وكأنها تدرك ما سيقوله وقالت :هات ماعندك .
لقد أصبحنا أنا وأنت طقم .
ويقصد قطعتان متشابهتان .
ضحك الجميع مع أن الضحك في ذلك الوضع قد يكون مؤلم لكليهما لكنها ظلت طرفة يتذكرها الجميع
.

السبت، 15 يناير، 2011

أمان .....8





ذهب أمان للقاء غير مخطط له لطبيب العيون ....عندما ألقى أول نظرة لصالة الإنتظار بدت وكأنها عيادة أطفال ,عيادة مليئة بهم وقال في نفسه (لست أدري أهم مرضى أم مرافقون ...يا الله ,ربي يعينني على كم الإزعاج المتوقع في مثل هذا الموقف ,صالتين متقابلتين واحدة للنساء وأخرى للرجال وكلاهما مليئتين للآخر .



الكل مشغول عن الآخر إما بمجلة أو بهاتفه أو مسمر نظراته في شيئ ما وعقله في مكان آخر ....أحاديث النساء كانت تقتصر على الهاتف النقال بصوت خافت وبضع كلمات معدودة ومقتضبة سرعان ما يغلقونه وتتجه نظراتهن بعدها للأخريات واللآتي يبادلونهن نظرات مفادها أن كفى ثرثرة على الهاتف لا حوار مع من يجلسن بجانبهن وكأن هناك حائط يفصل كل واحدة عن الأخرى ...عجيب هو عالم النساء بقوانينه الصارمة وقواعدة الغير قابلة للإختراق ,أحياناً كان الأطفال يتساءلون عن أشياء لفتت انتباههم لكن كانت الإجابات التي يحصلون عليها ناقصة ومنتهية وسط ذلك الكم من التساؤل ,أما الرجال فهم أكثر انفتاح وانبساط ,يتجاذبون أطراف الأحاديث ولا يقلقون بشأن أصواتهم والتي كانت أحياناً ترتفع لتخترق عالم النساء المنغلق على نفسه .




بدت لحظات الإنتظار طويلة ومملة وتذكر ماكانت والدته تفعله في تلك الأوقات عندما تنتظر دورها في الدخول على الطبيب فانشغل بالذكر والإستغفار ثم أخرج مذكرته وكتب فيها بضعة كلمات وإذا بصوت الطبيب يقطع عليه تسلسل أفكاره ,أغلق أمان مذكرته ورفع بصره صوب غرفة الطبيب ...من عادة الطبيب أن يستقبل مرضاه ويودعهم عند باب غرفته لذا كثيراً ما يخترق صوته الضوضاء الناتجة عن صوت الأطفال ,الرجال . والتلفاز الموجود لقتل الفراغ لكن لا أحد ينتبه له وكأن وظيفته إعطاء خلفية موسيقية لصورة حية من صور الحياة .




ليست من عادة أمان التحدث مع الآخرين لذا أخرج عدة الكتابة مرة أخرى وعكف عليها ليتخلص بها من الملل وطول فترة الإنتظار وليختلي بنفسه ,عندما يكون مع نفسه كان كل شيئ يبدو ملهم ...عجباً للأطفال في البداية يرغبون بالحركة والكلام بحرية لكن إصرار الأمهات على التوجيه المستمر جعلهم يتصرفون في النهاية وكأنهم نساء صغيرات .




عندما تكون قليل الصبر تمر الدقائق وكأنها ساعات ’وعندما تنشغل بشيئ ...أي شيئ ينساب الوقت من بين يديك دون أن تشعر به .


طريف طبيبنا فهو يتكلم مع المرضى وكأنهم يعانون من خلل في الأُذن وليس العين حتى أنك تعرف أن مريض خرج وآخر دخل من صوت الطبيب الذي يستقبل بكلمات طيبة ويودع بكلمات أطيب .





الساعة الآن الحادية عشر ولم تظهر بوادر انفراج أزمة الزحام ..... يا إلهي قد مللت الإنتظار ,قال أمان في نفسه ...وفي لحظة نودي على بالذات اسم أمان .....سبحان الله عندما تصل لنقطة تتساءل فيها (متى الفرج؟) فإنه يأتيك على الفور و في لحظة تساؤلك .


تذكر أمان عندما قرر الطبيب أن يُجري عملية جراحية لإحدى عينيه فخافت عليه والدته قائلة :لا تجريها هنا ...قد يخطئ الطبيب والعين جوهرة لم لا ترجئ العملية حتى أذهب معك للخارج ونجريها هناك ؟

كانت والدة أمان في قمة تعبها ومرضها ويدرك أمان أنها لا تستطيع أو تقوى على السفر لذا لم يرد أن يتعبها أو يلفت نظرها لمرضها فيحزنها ,قال لها :أمي هذا الطبيب ممتاز وأطباء الخارج يشهدون له فلا تقلقي ثم إن الله هو الشافي وما كتبه علينا وقدره سنعيشه وهناك من سافر ولم يوفق ...هي تدرك كل ذلك وكانت سيدة تقية صابرة بحق ...لكنه قلب الأم الذي لا يساويه قلب ,صمتت ورضيت واكتفت بالدعاء وكان هذا هو كل ما يلزم أمان ,أجرى العملية ونجحت ,فرحت الحبيبة بالنتيجة وظلت تلازم أمان فترة وهو مرتدي النظارة السوداء وعينها لا تكاد تفارق عينيه وكان فضل الله عليهما كبيرا.








أمان ...7


شعر أمان برغبة في العودة للمكان الذي نشأ به ’تردد برهة ثم في النهاية قرر أن يذهب وعلى كل حال هي زيارة وتظل أبوابها مفتوحة دائماً, ارتدى معطفه السميك ووضع في جيبه مفكرته الصغيرة التي تصاحبه في كل خطوة يخطوها خارج البيت ,يسجل بها ملاحظاته وأفكاره وأحيانا ...بل دائماً مشاعره ولم ينسى نظارته الطبية ,قال في نفسه وهو ينظفها :كم تردى نظرك يا أمان ...الحمد لله .



عندما وصل هناك كان المكان وكأنه يناديه ,تتزاحم الذكريات ,كل الذكريات وكل منها يرغب بالظهور أولاً وفي وقت واحد ...ياالله كلها ذكريات جميلة شعر أمان معها وكأنه طفل صغير وكأن خيبات الأمل التي عاشها ماحدثت ولا كانت وكأن جوهر الحياة أظهر نفسه ولم تعد للمرارة وجود ....لم يدرك أمان كم الوقت الذي أمضاه متأملاً البيت القديم ولكن صوت والده جاء من بعيد مما جعله يرتقي السلم متوجهاً للصالة .



تذكر أمان كم كان والده يرحب به في كل مرة يزوره بها بطريقة وكأنه نزل عليه من السماء وكأنه ماجاء بالأمس ...زيارة أمان لوالديه بعد زواجه يومية ,يشتاق لهم ويشتاقون له فإن مرض يوما وما حضر سارعوا بالإتصال به :كيف حالك ؟ هم يدركون أن مايمسكه شيئ عن زيارتهما إلا المرض ,وعندما يطول به المرض يومان كانوا يزورانه ......يا الله تتسمر يومها عيناه في عيونهما ويصبح البيت قطعة من الجنة ,ويزول المرض ....أي مرض والدواء موجود ....يا حيا الله أمان ,قال الوالد .
الله يحييك أبي .
أفطرت؟ قال أمان .
شربت شاي .
لقد أحضرت معي الفطور .
لم أتعبت نفسك.
لم أتعبها ثم إن تعبك راحة .
والد أمان أجرى الكثير من العمليات الجراحية لذا تجده مقلًا في أكله ولا يرغب في أي نوع من الطعام وإنما أنواع معينة ومحددة لكن ما يحضره أمان كان يحظى برضاه ,قال أمان في نفسه وهو يتذكر :كم كان يسعدني منظر والدي وهو يأكل ما أحضرته له ..إيه أيام ,رحمة الله عليه .




غادر أمان الصالة إلى غرفة نوم والديه وتذكر يوم أن حان وقت صلاة المغرب وكان والده فارشاً سجادته ليصلي فصلى أمان دون سجادة صلاة فالأرض ناشفة وطاهرة ولا يحتاج الأمر لسجادة لكن والده عندما أنهى صلاته فرشها مكان سجود أمان ....فرشها حبًا ورأفة به من تأثير سجادة الغرفة الخشنة ...كم أحب أمان هذا السلوك وكان معه في ذاكرته ويُستدعى تلقائيًا كلما صلى ,هو يفعل ذلك الآن مع أبناءه ويفعلونه معه .....هذا هو العمل الذي يتواصل أجره ولا يقف بموت الإنسان فها هو يتواتر عبر الأجيال .




حسناً علي أن أغادر الآن ,نزل أمان السلم وتذكر كيف أن والده عندما كانت صحته تسعفه كان ينزل السلم مع أمان وأمان يقول له :أبي لا تتعب نفسك أنا أذهب بمفردي ,فيرد عليه الوالد كلا سأنزل معك لأتحرك قليلاً ....كم كان حبيب هذا الوالد ,كان يغلق باب السياره خلفه ويقول له كلمه ما نساها أمان (أمانة الله) .



حرك أمان سيارته مغادرًا البيت القديم وهوينظر في المرآة الأمامية وكأنه يرى صورة والده عند باب البيت وهي تصغر شيئًا فشيئًا ,بدت رحلة العودة طويلة وانتبه أمان أنه كان يقود بسرعة كبيرة فأبطًا وتذكر أول سيارة ابتاعها والده ,كانت قيادة والده لسيارته ضعيفة ومع هذا كان يقودها بسرعة كبيرة ,الطريف أنه لم يكن يعرف الطرق والمناطق جيدًا وكثيرًا ماكان يضيع بين المناطق ويستغرق وقت العودة من زيارة الأهل وقت طويل مع أنهم في نفس المنطقة ويحدث ذلك في كل مرة ويبدأ الأمر في أن يقول الوالد مخاطباً الأبناء : ما رأيكم لو نتجول قليلاً قبل العودة للبيت ....فيبدون فرحهم وموافقتهم بصوت عال فيخرج من المنطقة ويسير في خط مستقيم لكن الطريق يطول ثم لا يلبث أن يفقد معرفته بطريق العودة وبعد عدة محاولات يكتشفه ,لكن كانت للوالد طريقة يبعد بها الخوف عن الأبناء عندما يطول التجول ,كانت سيارته لها لونان الأسود والأحمر فكان يغني لهم وهم يرددون ما يقوله (حمر وأسود يدل البيت) بمعنى أن سيارتي تعرف طريقها للبيت وستصل له ,حسناً كان محقاً وكانت سيارته تعرف طريقها إلى البيت ......قال أمان في نفسه هذا ولم تكن هناك طرق سريعة ...ترى ماذا سيحدث لو قاد أبي سيارته الآن ؟


وصل أمان البيت وسجل بعض الكلمات في مفكرته ثم أغلقها ,نزل من سيارته وودع ذكرياته عندما أغلق باب السيارة
.

الخميس، 13 يناير، 2011

وتوقف العمر

وتوقف العمر
لما
توقفت خطاها
عن المسير
أو هكذا ظننت
واكتشفت أن
العمر لم يقف ولكن
خاطري
وقف هناك
لما رأى وجدي عليها
ليتنا جئنا لهذه الدنيا
معًا
وليتنا غادرنا سويا
ولكن الأماني
كل الأماني
تظل أماني
وقد يمضي العمر
ولا تكون

الأربعاء، 12 يناير، 2011

أمان ....6







ابتل الشارع بمياه الأمطار والتي ظلت تنهمر إلى أن طلعت شمس فجر يوم من أيام الشتاء ومع ظهور الشمس أخذ المطر يتساقط بصورة خفيفة لا تكاد تسمع له صوت ,هذا الجو الماطر ذكره بيوم مشابه عندما كان طالب في المرحلة الإعدادية وفي حصة الرياضيات عندما طلب منه المدرس أن يحل مسألة حسابية على السبورة وسأله خمسه من تسعه كام ...لم يعرف أمان الإجابة لأنه لا يعرف القصد من كلمة (من) هل هي جمع أم طرح وقع في حيرة من أمره ولم يجد له مخرج من ذلك المأزق ,أعاد المدرس السؤال مستغرب كيف لا يعرف أمان الإجابة متساءل هل يوجد أحد بالدنيا لا يعرف خمسه من تسعه كام ؟ انت وصلت الإعدادية إزاي ؟ وأمان يقول في نفسه (لو تقول لي بس ماذا تقصد من كلمة من ...ماالحل الآن أطرح أم أجمع ) وظل صامتاَ لا يجرؤ على الإستفسار ومستحضر في نفسه العقاب فذلك المدرس كان شرساً نوعاً ما ,لا يقبل إجابة خاطئة ,لا يقبل أي استفسار وبالطبع أخذ حقه كاملاً مكملاً ..وفي ذلك الجو البارد يكون العقاب مؤلم إلى حد بعيد لدرجة أنك لا تكاد تبرد يدك حتى تلهبها الضربة التالية ......مسح أمان يديه وكأنه تلقى العقاب للتو .





حبات المطر المتساقطة على زجاج النافذة استدعت صورة أخرى ...صورة ابن الجيران الجدد والذي كان يتسم بالوسامة والشباب ,بالهدوء وقلة الكلام ’ عندما كان أمان صغير كان الجيران أصحاب وجوه مألوفة كانوا كما الأسرة الواحدة ,تغلب عليهم البشاشة والبساطة في التعامل ,الكبير منهم والصغير وأبناء جارك أبناءك وزوجته أختك ....كانت العلاقة بالجار ربما تكون أقوى من العلاقة بالأهل من كثرة ما نراه ونتعامل معه وعندما تكون هناك حالة طارئة كان الجار هو أول مانفكر به وأول من يعرض خدماته حتى دون أن تطلبها ,قديماً تعرف عن جارك كل شيئ ويعرف عنك مثله وإن أراد فتى الزواج يسألون عنه عند جيرانه فهم يعرفونه حق المعرفة لأنه بمثابة ابنهم ....شيئ خرافي غير موجود في وقتنا الحالي ,الآن الجار أنت حتى لا تراه وإن رأيته فمن بعيد ولا يتعدى حوارك معه السلام والمجاملات الخالية من الروح ..... باختصار لا تعرف عنه شيئ .
نعود للجار الجديد ,كان ذلك الجار كثير الصمت قليل الخروج من البيت ,لم يسبق أن شاهدناه يبتسم ...ولا مرة واحدة ,كان يعاني من مشكلة لست أدعي أنها بسيطة لكنها لا تستحق كل تلك العزلة و كل ذلك الوجوم
وكان عليه أن يتعايش معها ولا يصطدم بها كل يوم من أيام حياته ,كان قد فقد إحدى رجليه ويمشي برجل صناعية وكلما كان يخطو خطوة يصدر من رجلة صوت كالصفير ......كم كان محرج منها ويظهر ذلك جلياً على وجهه الذي تكسوه الحمرة كلما مر من أمام تجمع للصغار ....كم كنا نساهم دون قصد في إحراجه لأننا كنا نلتزم بالصمت التام إن رأيناه ,حينها يكون الصوت أكثر وضوحاً ,أما أمان فكان يشعر بأن تلك الخطوات لم تكن منتظمة وكأن الجار يحاول في كل خطوة أن يجعلها أقل في إصدار الصوت
,حتى أن الأطفال عندما سمعوا أنه فقد إحدى رجليه صاروا يخافون منه لكن بعد مدة اكتشفوا كم هو هادئ واصبحت متعتهم أن يكتفوا بملاحظته لكن لم يجرؤ أيا منهم في أن يكلمه فلم يكن ودوداً أبداً .



في يوم ماطر كهذا اليوم وعندما توقفت الأمطار ولم يبق من آثارها إلا ما ظل متشبثاً بزجاج النافذة أراد أمان أن يخرج من البيت وأثناء فتحه للباب الخارجي فإذا بالجار يمر من أمامه ......لم ينسى أمان تلك النظرة التي رآها في عين جارهم ,لم يبد حزيناً يومها أو منكسراً بقدر ما كان متحدياً وقاسياً ,عندما رأى أمان تلك النظرة أقفل الباب بسرعة خاطفة خوفاً منه .....البعض منا عندما يكون متألم يكون أكثر رقة والبعض يكتسب قسوة تعمل على أن تعزله عن الجميع ,لم يحب الأطفال ذلك الجار وما أحبوه يوماً استحوذ عليهم الفضول في البداية ثم الشفقة وسريعاً ما تجنبوه وابتعدوا عن طريقه كلما مر ولأنه لم يكن حتى يرد السلام فلم يكترثوا به .....ربما كانت هذه رغبته وعمل جهده ليحققها ربما دون وعي منه ...وقد كان .


الأحد، 9 يناير، 2011

أمان .....5


بقي أمان مستيقظاً إلى ساعة متأخرة من الليل في صحبة أحد كتبه وكان ما يقرأه مشوقاً لدرجة أنه وجد نفسه داخل أحداث كتابه ....كثيراً ما حاول الكتاب أن يفلت من يده لكن محاولاته تفشل ,ظل أمان يغالب النوم إلى أن أصبح لا معنى لما يقرأه فقد خضع لسلطان النوم ,حينها لم تعد المعلومات تدخل قلبه أو عقله ....,وفي لحظة ما .سقط الكتاب من يده واستغرق أمان في نوم عميق .






تنبه أمان إلى صوت لم يميزه لأول وهله ,ظن أنه يحلم ولكن الصوت كان متواصل وعلى وتيرة واحدة ,ظل يتردد فترة من الوقت لم يدركها أمان بالضبط , فتح عينيه للحظة ورفع سماعة الهاتف لكنه سرعان ما أغلقها فلم يكن الهاتف مصدر الصوت لأنه لم يتوقف ,وإنما المنبه الذي ضبطه على موعد صلاة الفجر ,ولأنه سهر ليلتها حدث لبس في تمييز الأصوات ...جيد بدأ يومه بطرفة ,حمد الله كعادته كلما تنبه من نومه واستعان به ثم توضأ وفرش سجادة الصلاة وبلمح البصر تذكر سجادة والدته المليئة بالنقاط مكان السجود والتي لم يستطيع أن يفسرها إلا عندما كبر ,كثيراً ما تساءل ما سر هذه النقاط في سجادة الوالدة رحمها الله ؟ أنها دموعها عندما تسجد ,ما أسعد من كان في معية الله عندما لا يشاركك أحد تلك اللحظة فالكل نائم أو مهتم بشأنه وأنت شأنك أن تناجي الله ,هناك أناس في حياتنا يملؤنك طاقة وسعادة بالجلوس معهم لكن لا شيئ يوازي أو يعادل معيتك مع الله سبحانه .




تذكر كم كانت مجتهدة في حفظها للقرآن وكان حفظها بطيئ وصعب لكنها كانت تملك كل ما تريد لتحقيق رغبتها فهي تملك نفس وعزيمة قوية قادتها لأبعد مما رغبت به وفي كل مرة كانت تحفظ جزء بسيط كانت تطلب من الأبناء أن يسمعوا لها ....يذكر أمان عندما ذهب معها في رحلة علاج في الخارج كانت تردد القرآن في كل وقت تقريباً وعندما حان موعد العودة كانت قد أنجزت بحق .




كم شارفت على الموت في مرضها الطويل لكنها في كل مرة تُشفى بأمر من الله حتى أن أحد الأطباء قال عنها أنها قوية وترغب في الحياة .... ورغم شدة مرضها ومعاناتها وألمها لم تكن تظهر دموع أو شكوى أو ألم اللهم إلا إن كانت نائمة فعادة ما يصاحب نومها الأنين .

كانت على سبيل الطرفة عندما تُسئل عن حالها تقول :أنا جمعية تعاونية (سكر وضغط وقلب وربو وكل يوم يكتشفون مرض جديد والحمد لله ) وكالعادة تحدرت دموع أمان حنين واحتياج ,حمد الله على نعمة الإيمان الذي نحتمي به عندما تغلبنا العاطفة ......برهة من الزمن مضت وكأنها حُذفت يوم أن تذكر أمان والدته .








فتح أمان نوافذ الغرفة ليتمتع بجو الشتاء ونسائم الصبح النقية فالشتاء في الكويت طيف عزيز ونادر ,يأتي متأخر وأحياناً يمر مر السحاب لم نكد نفرح به حتى يغادر ليستقبلنا الصيف باشتياق وحب من طرف واحد ,حب يلازمنا لدرجة الإختناق ,وعندما تذكر الصيف مرت به ذكرى والده فقد كان من هواة صيد السمك وكثيراً ما كان يصطحب أبناءه معه في رحلات الصيد وأحياناً كان يذهب مع بعض الأصدقاء علي ويوسُف وبدر أما علي فقد كان ربان سفينة سابق وله باع طويل وخبرة في أمور البحر وصاحب نكته (دمه خفيف ) وأما البقية فقد كانوا مجرد هواة لصيد السمك كان والد أمان لا هو بالسمين ولا بالنحيف وكذلك علي أما يوسُف فقد كان نحيلاً وأما بدر فقد كان سمين ,وكانوا متمازجين ومتآلفين لدرجة كبيرة وذات يوم اصطحب والد أمان أكبر أبناءه وذهب مع أصدقاءه في رحلة بحرية وعندما وصلوا لموقع يدرك النوخذه علي أن به وفرة من الأسماك أوقفوا القارب وبدأكل منهم في وضع الطعم في صنارته ليرموا بها في البحر وبينما هم منشغلين كُل في شأنه إذ قال علي:
أتدرون ماذا يحدث لو ظهر لنا سمك قرش ونحن في هذا المكان المعزول ؟

رد يوسُف ماذا يحدث؟
قال علي :سيقلب القارب لأنه جائع ومنظركم مغري .

قال علي ذلك وهو ينظر لهم بابتسامة لها معنى أدركوا ذلك المعنى بوقته فصاروا يتضاحكون .

قال والد أمان :وهل يستطيع أن يأكلنا جميعاً؟

قال بدر :بالتأكيد لن يفعل .....نحن أربعة .

قال علي :بل سيفعل أما أنا ويوسُف وأمان فسيأكلنا ولن يقول الحمد لله ........وصوب تلك النظرة الخبيثة إلى بدر وقال :أما بدر فسيختنق به ,ضج الأصدقاء بالضحك ثم رموا بخيوطهم في البحر .

التفت بدر لعلي وقال : أبو حسين .

رد علي : يانعم .سأل بدر :

هل تخاف من الموت ؟

ماذا ؟هل أخاف من الموت ؟ أنت لا تتخيل ماذا يمكن أن أفعل خوفاً من الموت ....ضج الأصدقاء في الضحك مرة أخرى .

اللحظات الجميلة في حياتنا تظل معنا لتذكرنا بأناس هم أغلى من الجواهر ....في يوم ما ذهب علي في رحلة بحرية ولم يعد ,عاش الأمل مع الأصدقاء في أنه سيعود لكنه لم يفعل وبعد فترة مات الأمل وتوقفت رحلاتهم البحرية ولم يعد للبحر جمال ولم تعد لهم رغبة في اصطياد السمك وغابت هوايتهم مع غياب علي .








وما هي إلا سويعات وإذا بجرس الهاتف يرن ,رفع أمان السماعة :نعم قال أمان .

السلام عليكم,فإذا هو ذلك الصوت المحبب ,صوت عبدالله ,وعليكم السلام قال أمان ,من أين أشرقت الشمس اليوم ؟

سأمر عليك مساءً رد عبدالله .

حياك الله ,أنتظرك .

هكذا هو عبد الله ,ينغمس مع الأيام ثم ما يلبث أن يتصل ليحضر ,يقوده حنينه ,لديه وفاء نادر ,وعبدالله صديق من عهد الديناصورات ,صمت أمان برهة فبادر عبدالله :

أمان أنت معي ؟

نعم نعم معك .

قال عبد الله :اتصل بأشقاءك أريد أن أراكم جميعاً .

سأفعل .قال أمان .

وعندما حل المساء جاء عبدالله بموعده كالعادة وتستطيع أن تضبط ساعتك على موعد حضوره .

أين الإخوة ؟ قال عبدالله ؟

رد أمان الجميع تقريباً اعتذر .لكن إن انتهوا من أعمالهم في وقت مبكر سيحضرون ,قد وعدوا بذلك .

قال عبد الله : أمان ,لدي مشكلة صغيرة أود أن أحدثك عنها بما أننا على انفراد .

هات ماعندك ,رد أمان .

كلما أردت الخروج مع عبد الرحمن يقول لي اتصل ببقية الأصحاب وهذا يحدث في كل مرة ,لست أدري لم يفعل ذلك ؟

قال أمان :ربما هو يحب اللمة والأحاديث المتشعبة ...ربما تتحدث عن جانب لا يحبه ,ربما حديثك مكرر ,ربما أنت مقل في الكلام ,ربما تتكلم عن همومك ...هناك احتملات كثيرة عبدالله ولن تعرف السبب إلا بالتواصل أكثر ,مالذي يحبه أو لا يحبه ,عندما ننصت جيداً وباهتمام وبرغبة في اكتساب معلومة مهمة فإننا سنجدها حتما .

ثم نظر أمان لصديقه عبدالله نظرة ترشد لمعلومة غابت عنه وقال :ها أنت عبد الله في كل مرة تعلمني بحضورك ترغب في أن يحضر جميع الإخوة ؟

قال عبد الله :هل أنا أفعل ذلك في كل مرة ؟

نعم وفي كل مرة ,وصدقني لو أنك ما تفعل ذلك لما ضايقك سلوكه وما لاحظته أصلاً .

فلا أحاديثي مملة ولا أتحدث عن همومي ولست سلبي ...ما يلفت نظرنا من سلوكيات الآخرين هو في الحقيقة تنبيه لنا من أنفسنا لخطأ ما ,فاشكر الله على هذا المصدر من المعلومات الذي لا ينضب والمقوم الذي لا ينفك يأخذ دور المرشد . ,نحن من يعطي الأشياء والمواقف التي نلاحظها معنى بطريقة تفكيرنا وتفسيرنا وإلا هي محايدة ومعلومة فقط لا تملك أن تحزننا بل تبعث فينا روح المعرفة بالتالي تضيف لنا وإلا ما رأيك ؟

عبدالله : هي كذلك .

عبدالله إنسان شفاف وأصفى من الماء ,محب لدرجة أنه إن غاب سنه وعاد تكاد تجزم أنه غادرك بالأمس ....عبدالله إنسان بألف إنسان .

ما كاد أمان ينتهي من حديثه إلا وجاء إثنان من إخوته فقال : ها قد جاء الإخوة ....لاحظوا عليكم تأخير ,اعتذر كل منهم بما تسبب بتأخره وكانت جلسة ممتعة جلبت كم كبير من الذكريات الجميلة .

الاثنين، 3 يناير، 2011

تخيل










تخيل كم المعاناة والشقاء والألم الذي تعيشه وأنت تفتقر لأشياء اعتبرتها طول عمرك أنها كماليات فيما هي من أول الأساسيات وأصبحت الحاجة لها الآن أكبر وأجبرتك على أن تعيشها كلها وكأنها عادت لتقتص منك ومن تنازلك عنها وتجاهلك لوجودها وأهميتها وكأنها ليست جزء من طبيعتك ... الآن لم يعد الخيار لك ,أنت مجبر على أن تدفع الثمن وتحرر شيك وراء شيك بطيب خاطر ,لأن الكماليات تحولت إلى أساسيات وأصبحت مهمة كالهواء ...أتتصور أن تعيش بلا هواء؟ عندما يكون جزء منك مدفون تحت الركام ...من سنين فلا يمكنك أن تقدر حجم الخسائر التي ستتفاجأ بها والتي ستعلمك ومن جديد كيف تهتم بنفسك .





تخيل أن من أوليته ثقتك واهتمامك وكان لك الخيار أن تركز على شئونك لكنك فضلت واخترت أن تمنحه تلك الأهمية التي تفوق أهميتك ...لأنك شعرت وبطريقة ما أنه بحاجة للإهتمام ,بدا وكأنه تعيس وغير محظوظ وبدلاً من أن تخصص له جزء من حياتك صار يحتلها كلها ,تخيل أنه تحول إلى طاغية ,تخيل أنه عرفك كراحة يده وآذاك ...هل أنت متخيل شعورك حينها ؟ ونظرتك البلهاء الغبية لنفسك ؟...أين أنت في كل هذا وكم من الوقت يلزمك وتحتاجه لتثبت بعد ترنحك وتقف بعد تلك السقطة ؟








عندما يصدمك موقف ما لا تبني قلعة وتعتزل بها لتحمي بها نفسك من الآخرين لأنك إن فعلت ستسجن نفسك وتحاصرها وتبعدها عن الأشياء الجميلة من حولها ولن تلاحظ أو ترى حتى شروق الشمس بصورة مناسبة ,سيكون أمراً عادياً .....وسيكون من السهل على الآخرين وأنت في وضعك هذا أن يسيئوا إليك ويشوهوا صورتك , بدلاً من ذلك اعتبر أن ماحدث مجرد حدث في حياتك والأحداث مصدر للمعلومات لا غير .












عند الخطأ ...أي خطأ يتطلب الأمر أن تكون حااااااسم ,الحسم سيجعل الطرف الثاني يعلم علم اليقين أنك غير متخاذل أو متواني ...التواني والتخاذل يجعلان الشخص الآخر يأمن طرفك ويفتحان له الطريق على مصراعيه لأذيتك لأنه يدرك تماماً أنك لن تدافع عن نفسك ,عكس الحسم الذي يرسم له حد يعرف يقيناً أنه لن يستطيع أن يتجاوزه هذا لأنك لن تسمح له ولن تدعه يفعل ...وسيكون جار جيد في كل الأحوال حتى عندما تسوء أموره .