الأربعاء، 12 يناير 2011

أمان ....6







ابتل الشارع بمياه الأمطار والتي ظلت تنهمر إلى أن طلعت شمس فجر يوم من أيام الشتاء ومع ظهور الشمس أخذ المطر يتساقط بصورة خفيفة لا تكاد تسمع له صوت ,هذا الجو الماطر ذكره بيوم مشابه عندما كان طالب في المرحلة الإعدادية وفي حصة الرياضيات عندما طلب منه المدرس أن يحل مسألة حسابية على السبورة وسأله خمسه من تسعه كام ...لم يعرف أمان الإجابة لأنه لا يعرف القصد من كلمة (من) هل هي جمع أم طرح وقع في حيرة من أمره ولم يجد له مخرج من ذلك المأزق ,أعاد المدرس السؤال مستغرب كيف لا يعرف أمان الإجابة متساءل هل يوجد أحد بالدنيا لا يعرف خمسه من تسعه كام ؟ انت وصلت الإعدادية إزاي ؟ وأمان يقول في نفسه (لو تقول لي بس ماذا تقصد من كلمة من ...ماالحل الآن أطرح أم أجمع ) وظل صامتاَ لا يجرؤ على الإستفسار ومستحضر في نفسه العقاب فذلك المدرس كان شرساً نوعاً ما ,لا يقبل إجابة خاطئة ,لا يقبل أي استفسار وبالطبع أخذ حقه كاملاً مكملاً ..وفي ذلك الجو البارد يكون العقاب مؤلم إلى حد بعيد لدرجة أنك لا تكاد تبرد يدك حتى تلهبها الضربة التالية ......مسح أمان يديه وكأنه تلقى العقاب للتو .





حبات المطر المتساقطة على زجاج النافذة استدعت صورة أخرى ...صورة ابن الجيران الجدد والذي كان يتسم بالوسامة والشباب ,بالهدوء وقلة الكلام ’ عندما كان أمان صغير كان الجيران أصحاب وجوه مألوفة كانوا كما الأسرة الواحدة ,تغلب عليهم البشاشة والبساطة في التعامل ,الكبير منهم والصغير وأبناء جارك أبناءك وزوجته أختك ....كانت العلاقة بالجار ربما تكون أقوى من العلاقة بالأهل من كثرة ما نراه ونتعامل معه وعندما تكون هناك حالة طارئة كان الجار هو أول مانفكر به وأول من يعرض خدماته حتى دون أن تطلبها ,قديماً تعرف عن جارك كل شيئ ويعرف عنك مثله وإن أراد فتى الزواج يسألون عنه عند جيرانه فهم يعرفونه حق المعرفة لأنه بمثابة ابنهم ....شيئ خرافي غير موجود في وقتنا الحالي ,الآن الجار أنت حتى لا تراه وإن رأيته فمن بعيد ولا يتعدى حوارك معه السلام والمجاملات الخالية من الروح ..... باختصار لا تعرف عنه شيئ .
نعود للجار الجديد ,كان ذلك الجار كثير الصمت قليل الخروج من البيت ,لم يسبق أن شاهدناه يبتسم ...ولا مرة واحدة ,كان يعاني من مشكلة لست أدعي أنها بسيطة لكنها لا تستحق كل تلك العزلة و كل ذلك الوجوم
وكان عليه أن يتعايش معها ولا يصطدم بها كل يوم من أيام حياته ,كان قد فقد إحدى رجليه ويمشي برجل صناعية وكلما كان يخطو خطوة يصدر من رجلة صوت كالصفير ......كم كان محرج منها ويظهر ذلك جلياً على وجهه الذي تكسوه الحمرة كلما مر من أمام تجمع للصغار ....كم كنا نساهم دون قصد في إحراجه لأننا كنا نلتزم بالصمت التام إن رأيناه ,حينها يكون الصوت أكثر وضوحاً ,أما أمان فكان يشعر بأن تلك الخطوات لم تكن منتظمة وكأن الجار يحاول في كل خطوة أن يجعلها أقل في إصدار الصوت
,حتى أن الأطفال عندما سمعوا أنه فقد إحدى رجليه صاروا يخافون منه لكن بعد مدة اكتشفوا كم هو هادئ واصبحت متعتهم أن يكتفوا بملاحظته لكن لم يجرؤ أيا منهم في أن يكلمه فلم يكن ودوداً أبداً .



في يوم ماطر كهذا اليوم وعندما توقفت الأمطار ولم يبق من آثارها إلا ما ظل متشبثاً بزجاج النافذة أراد أمان أن يخرج من البيت وأثناء فتحه للباب الخارجي فإذا بالجار يمر من أمامه ......لم ينسى أمان تلك النظرة التي رآها في عين جارهم ,لم يبد حزيناً يومها أو منكسراً بقدر ما كان متحدياً وقاسياً ,عندما رأى أمان تلك النظرة أقفل الباب بسرعة خاطفة خوفاً منه .....البعض منا عندما يكون متألم يكون أكثر رقة والبعض يكتسب قسوة تعمل على أن تعزله عن الجميع ,لم يحب الأطفال ذلك الجار وما أحبوه يوماً استحوذ عليهم الفضول في البداية ثم الشفقة وسريعاً ما تجنبوه وابتعدوا عن طريقه كلما مر ولأنه لم يكن حتى يرد السلام فلم يكترثوا به .....ربما كانت هذه رغبته وعمل جهده ليحققها ربما دون وعي منه ...وقد كان .


هناك 8 تعليقات:

شمس النهار يقول...

اعجبني الربط بين المطر والبرودة وبرودة العلاقه بين الجيران الان

الحياة الطيبة يقول...

والله ما حد فاهمني زيك يا شمس النهار ,نورتي المدونة ,دمت بخير غاليتي .

BookMark يقول...

ايه الجيران الي مانعرف عنهم غير الاسم الأخير :(

غريب أمر الجار الجديد .. متابعين :)

الحياة الطيبة يقول...

الفرق بين الجيران قديماً وحديثاً
Book Mark
هو زمان ماكان فيه قواعد للتواصل واليوم ماأكثرها وما أقل تواصلنا معها ,أسعدني مرورك ,تحياتي .

منصور الفرج يقول...

هناك جيران ظلوا على تواصلهم من زمان إلى الآن بنفس التواصل ..
صحيح خفت عن زمان بس موجوده .

ربما التكنلوجيا علمتنا البرود .أو خوف البعض من طلبات الناس فيخلق الاعذار مهما كانت ..

//

بوركت الأوقات

الحياة الطيبة يقول...

صحيح كلامك أخي منصور لكنهم قلة من بعد ما كانت الروابط القوية بين الجيران سمة ....أكيد التكنولوجيا علمتنا البرود لأنه اعزلتنا عن بعض وتلاقي مجموعة في غرفة واحدة وكل واحد فيهم في عالم ,ولأن الروابط قلت فشيئ طبيعي أنهم كما تفضلت يخافون من طلبات البعض لكن الأكيد أن ضعف العلاقات يؤثر سلباً على الإنسان ...شكراً للمرور والإضافة ,تحياتي .

Ahmed Mustafa - zema يقول...

رائع
مع ان هذه اخف الفصول في السرد و لكن بها عمقا في المعنى

سلمت اختي
و جزاك الله خيرا :)

الحياة الطيبة يقول...

تعمدت أن يكون هذا الجزء قصير حتى لا يمل القارئ ,شكراً أحمد ...ومرور خفيف هذه المرة نورت المدونة ,تحياتي .