الثلاثاء، 28 يونيو، 2011

أمان .....١٨



أسدل الليل أستاره على الكون وتزينت السماء برداء مليئ بالنجوم وكأن الجمال الذي تزين نهاراً بالغيوم ظهر بلون جديد ليلاً ...كتب أمان هذه الكلمات وهو جالس علي الشرفة يتأمل وقال في نفسه لقد وُلدنا وخُلقنا لنبني صرح كلٌ حسب همته وقوة نفسه .... ليظل ذلك الصرح يحكي قصتنا لأزمان طويلة.... نعيش حياة مكونة من قراراتنا الخاصة وإن أنكرنا ذلك ولُمنا الآخرين عليها (في حال اخفاقنا) ، قد تكون الحياة مليئة بالأشواك ، قد تكون صعبة لكن النجاح يستحق منا أن نُصر عليه ومطلبنا يستحق كل ذلك العناء .
انتصف الليل وبدا الكون هادئ ، خرج أمان من منزله وقال في نفسه: لاشيئ يضاهي جمال وسكون الليل ... المشي بذاته يصفي الذهن فكيف إن صاحبه هدوء . وسكون وصور ناطقة بصمت .....لكان التأمل يكاد يكون مكتمل ، هناك طريقان أيهما أسلك ؟ سأل أمان نفسه أحدهما مضاء والآخر مظلم ... فلأسلك المظلم ، كم أعشق الغموض ، أحياناً أشعر وكأنني أتعمد أن أتعلم بالطريقة الصعبة ...حسناً هاقد وصلت له .
وما هي إلا بضع خطوات بدت وكأنها ثابته وإذا بصوت خطوات خلفه . تحاكي خطواته .... قال أمان في نفسه : لم تعد طفلاً مم أنت خائف ؟ وأين عشقك للغموض ؟ انتظر وسيتجاوزك صاحب تلك الخطوات ، شد إليه أطراف معطفه وكأنه يحمي نفسه وتابع السير لكن بقليل من الحذر وكثير من الإنصات لكل خطوة وهذا ماجعل التأمل يغادر المكان ويترك أمان مع ذلك الذي أشغل فكره وكل حواسه .... أخيراً وقف أمان في مكانه وتفاجأ بأن الرجل ، أو بالأحرى صاحب الخطوات يقف ، وقبل أن يلتفت خاطبه الرجل قائلاً : ماذا ، ألن تُكمل سيرك ؟
التفت أمان وعندما رأى الرجل قال: أنت ؟
رد عليه صهيب : نعم أنا ، أحببت أن أُرعبك ولكنني لم أستطيع .
قال أمان في نفسه (لقد نجحت) لكنه ابتسم وظهر كمن لم يتأثر بالموقف وهو يعلم أنه أصابه ما أصابه من الخوف إنما الظهور بمظهر الشجاع شيئ جيد .
أهلاً بالجار العزيز ... قال أمان .
صهيب : أهلاً أمان ، لم أرك منذ مدة وشاهدتك الآن تتريض قلت أقطع عليك انسجامك مع نفسك وأُسليك ،وإلا مارأيك ؟
أمان: حياك الله ، ليتك ياصهيب تتريض معي كل يوم ، ألا ترى أن الشارع ازداد نوراً بحضورك ؟
صهيب: بلى ،نور غير طبيعي.....ثم نظر لأمان نظرة فاحصة وقال : بس لو أعرف من أين تأتي بهذه الكلمات المرتبة .
ابتسم أمان وقال: بعضاً مما عندكم .
قال صهيب: لا والله ماعندي مثلها .....أهو هروب من الإجابة ؟
أمان : لا وهل أجرؤ ؟ هي موهبة ياجاري ولا تُظهر نفسها إلا عندما يكون شعوري حقيقي .... لم أقل يوماً كلاماً لا أعنيه ، أشعر أن المكان ينور
عندما يتواجد به شخص أُكن له الود يضيئ أكثر وتضيئ معه نفسي .
صهيب : أنت أصل النور وسره .
أمان : ماذا؟ ....ماذا أسمع ؟ وتقول من أين آتي بالكلمات ؟ لقد تغلبت على ياعزيزي ..... ضحك الإثنان وتابعا المسير.
صهيب: بم كنت تفكر قبل أن أقطع عليك حبل أفكارك ؟
أمان: بالحياة يا صهيب ، بماحققناه ، بمانريد أن نتركه خلفنا ...بالذكري الطيبة كما حققها من سبقونا ،أقصد أفضل الناس ممن سبقونا .
صهيب : أغلبنا أمان في تخبط وحيرة ،فإيقاع الحياة سريع ، سرعان ما تأخذنا الحياة بعيد عن أهدافنا ، بعيداً عن أنفسنا .
أمان : سأحكي لك عن بداية رحلة الحياة .....بدأت بقصة مولدك ثم عشت في بيت جميل ورأيت أماكن غريبة .....
ومضيت في طريقك ، دراسة ووظيفة وزواج واليوم ... وبعدما قطعت جزء ليس بالقليل من الرحلة قد تكون حققت نتائج مبهرة
وقد لا تكون حققت شيئ يُذكر .
تظن أن الوقت مازال مبكراً على تحقيق حلمك ...هذا إن فكرت بذلك الحلم ، قد تؤجل إنجازه لحين تتفرغ له عندما تنتهي مسئولياتك
لكنها لا تنتهي ، وبلمح البصر قد تصل لساعة نزولك من سفينة الحياة دون أن تترك الأثر الذي رغبت به لأنك ما ركزت عليه بمايكفي
وألهتك وشتتت تفكيرك الدنيا فأضعت أوقات ثمينة دون أن تدري ....أو هكذا اخترت .

ظننت أن الوقت في صالحك وهو يعمل ضدك ....إذ كيف تهمل شيئ ويخدمك؟
شخص أمان ببصره وصمت برهة حتى أن صهيب ظن أن الحديث انتهى لكنه أكمل :
الوقت الذي تستغرقه رحلتنا قصير واسأل من عاش فوق الثمانين سنة ليؤكد لك كم كانت حياته قصيرة .
فإن قبلت أن الحياة مجموعة تحديات وقياس للقدرات والإمكانات ، إن أدركت أن للوقت قيمة عالية غلا جوهر روحك وعلا شأنها .
مهما كبر التحدي أو آلمت التجربة لن يزيدا عن كونهما اختبار وقتي ..... والإختبار لا يأتي كل يوم لكنه عندما يحين موعده يُخرج كل إمكاناتك
وأفضل مالديك ، من لا يواجه الصعوبات ويحسن إدارتها (يعيش في دائرة الأمان ) فسيظل داخلها ولن يصل لشيئ .....أما وقتك
فهو بضعة منك ولا يجب أن تبعثره هنا وهناك .
صهيب : قد تفوتنا فرص في هذه الحياة لأننا ربما لم نتعرف عليها عندما برزت وأظهرت نفسها ...لم نُميز معالمها لأننا لم نحدد
ماذا نريد وعندما لاحت في الأفق شككنا بها ولم نتيقن إن كانت فرصه أو لا .
أمان : تماماً ، لذا علينا أن نحدد ماذا نريد .... أما تحقيقه في تلك المرحلة فسيكون سهل .
صهيب : نحن نشكل حياتنا من خلال أفكارنا ،قد لا نهتم بشيئ ما فنفقده ..... وقد نعتبر شيئ ما قوة فنحرص عليه .
أمان : فالنحذر من الأفكار التي نعتنقها ، انصت وتعلم من المُتفاذلين الواثقين من نجاحاتهم ،الواضحة أهدافهم والمحققين لجز كبير منها .
صهيب : مضت الساعة بسرعة كبيرة ، استمتعت بصحبتك .
أمان : وأنا كذلك .

الجمعة، 17 يونيو، 2011

أمان ......١٧



طرق الخادم الباب برفق فأيقظ أمان من نومه ...لم تكن الطرقة الأولى فلشدة هدوئها يحتاج أمان للعديد منها حتى تستطيع أن توصل له رسالتها ...أن استيقظ ، صار أمان صاحب نوم ثقيل ، (حسناً لقد استيقظت ) ،قال أمان .لم يكن الخادم يفتح الباب ولم يسمح له أمان يوماً بذلك ، أغلق عينيه ثانية لكنه سرعان ما فتحهما فقد تذكر أنه على موعد مع ابن خالته محمد ،جلس على فراشه ثم أنزل رجليه على الأرض وتناول نظارته وألقى نظرة على جهاز الكومبيوتر وخلال دقائق أنهى ما رآه مهم ، وبعد أن اغتسل وغير ملابسه خرج من غرفته وإذا بمحمد جالس أمامه في الصالة . أمان : مُنذ متى وأنت هنا؟ ولم لم يوقظني أحد عندما جئت ؟ محمد: أنا من طلب ألا يوقظك أحد ، أعلم أنك مُتعب ، ثم إنني جالس مع الأبناء ،الله يبارك فيهم . محمد ذاق اليُتم منذ كان في الرابعة من عمره فقد ماتت والدته في ريعان شبابها وماتت فجأة وكان محمد آخر العنقود ....مُدلل وملازم لوالدته تقريباً طوال اليوم .وعندما تُوفيت لم يلبث والده أن تزوج بأُخرى وكان من الطبيعي أن يتزوج فكيف تسير أُمور الأُسرة بدون أُم ؟ المهم أن الزوجة الجديدة سيدة فاضلة وصالحة .....فهم الأبناء حقيقة أن أُمهم تُوفيت إلا محمد لم يفهم ذلك وصار في كل يوم يسأل والده :أبي أين أُمي ؟وكان الأب في كل مرة يجيب هذا السؤال ... مرة :ذهبت فوق عند الله ، ومرة سافرت ، ومرة عند أُختها .... كان محمد في كل مرة يتبع سؤاله بسؤال آخر : متي تعود ؟ كم كان هذا السؤال محير وكان يرد عليه : ستعود ... ستعود .كان محمد كثير البكاء وكثير الإلحاح عند توجيهه للأسئلة التي لا يملك لها الوالد إجابة .وكأن محمد يقرأ أفكار أمان نظر له بعُمق وقال : تذكر أمان عندما أخذني والدي رحمه الله إلى المقبرة ؟ نعم ،قال أمان ، يومها قلنا عنه أنه كان قاسي .أنا لا ألومه كان يريد أن أهدأ وأُوقف إلحاحي وبكائي .قال أمان : وقد هدأت فعلاً لكنك صرت لا تتكلم بالمرة .... أعتقد أنك صُدمت .محمد: صُدمت ؟ لقد صُعقت ، قال لي : أُمك يا محمد ماتت وقد وضعناها هنا ....... ولن تعود . أمي وُضعت في التُراب ولن تعود وأنت تدري كم كُنت صغير ومُتعلق بها .أعلم ، أعلم قال أمان كنت لا تفارقها ، كلنا حزننا عليها وتألمنا لحالك ، أذكر أنك بعدها لم تعُد تسأل :( أين أُمي؟)محمد : أتذكر أن مشكلة صارت تلازمني كل يوم .أمان : وأظهرت المعدن الحقيقي لزوجة أبيك . محمد : تقصد أمي .أمان : نعم هي فعلاً أمك .محمد: صرت أُلوث فراشي كل ليلة ..... وكانت توقظني بهدوء وتحتضنني وتغسلني وتُلبسني ثم تُنيمني في فراش جاف ، ،هذا كان يحدث كل يوم .أمان : شعر والدك بالإحراج وظن أن ذلك يُزعجها .... نظر محمد لأمان وقال: وكأن ما بي من ألم لم يكن كافي .... ضربني والدي ذات صباح فأخذت أصرخ من ألمين ، ألم فراق أُمي والألم الجديد ...... سكت بُرهة ثم تابع : كما قُلت لك أمان أنا لا ألومه فالسيدة لا ذنب لها في أن تتحمل مسئوليات إضافية ، يكفي أنها وافقت على رجل معه أبناء صغار .أمان : لكن موقفها يامحمد كان كبير .... أكبر من أن تحمله كُتب .نعم ،قال محمد: احتضنتني وحمتني منه وصارت تبكي وقالت له : لا أريدك أن تضربه مرة أخرى ...... هل اشتكيت لك يوماً منه ؟ هل قلت لك يوماً أنني مُتعبة ومللت من خدمته ؟ أنا أقوم بما أقوم به نحوه حباً به ، إنه ابني . انتهت مشكلتي من يومها ،قال محمد ، وخرجت من صمتي ..... فقد وجدت حضناً كحضن أمي ،وجدت قلباً كقلب أمي ........ وجدت أمي مريم .أمان :ليست كل زوجات الأب قاسيات ، من تضع الله أمامها لا يهم أن تكون أم أو زوجة أب .محمد: فعلاً ، حتى عندما رزقها الله أبناء لم تختلف معاملتها لنا ، اهتمت بنا إلي أن تزوج كل منا .أمان : عندما يكون مابينك وبين الله عمار فإنك حتماً تفعل الصحيح والصواب ،لأنك تدركه بقلبك .صمت أمان برهة تغيرت فيها ملامحه وأغمض فيها عينيه وكأنه يحاول أن يجمع قطع مُتناثرة من الذكريات سرعان ماقطع عليه محمد اندماجه قائلاً : أعلم أنك تذكرت شيئ لا يسر ....هاته كله .حسناً : قال أمان ...أتذكر ابن جيراننا ناصر ؟محمد: نعم أتذكره جيداً فكثيراً ما كنا نلعب معاً لكنه كان أول المُغادرين .أمان : وتذكر كيف كان يغادر ؟محمد: نعم مع ذلك الخادم القاسي والذي لا يتوانى عن ضربه .أمان : هذا لأنه يتيم فقد أمضى صالح وزوجته حياتهما دون أبناء وعندما وصلا لآخر العمر تبنيا ناصر والحق يقال أن صالح كان رجل طيب وراض عن قسمته لكن زوجته أصرت عليه أن يتبنى صبي ليونسهما ......وهكذا كان.محمد : كم فرح صالح بذلك الولد وكان له نعم الوالد .أمان : صالح محبوب من الجميع ويقدر الصغار كما الكبار ...أتذكر أنه عندما يمر كان يبتسم يسلم علينا وكأننا رجال [ بألقاب) .محمد : نعم نعم كان يناديم بأبو سعود ......ضحك الإثنان لكن سرعان ما تلاشت ضحكة أمان وكأن طيف ناصر ظهر له ليذكره بتفاصيل قديمة .قال أمان : مات صالح ومات معه هدوء ناصر .محمد : غريبة أن ذلك الصبي تغير حاله وتحول إلى صبي شقي .أمان : أنا لا أجد غرابة في ما قام به ....لقد كان أمر طبيعي أن يتصرف بهذا الشكل ....وهل التأخر قليلاً مع الأقران شيئ غير طبيعي ، خاصة أننا جيران ولم يكن يتغيب بالخارج في أماكن لا يعرفها الأهل ..... هل رأيت كيف كانت من تُسمي نفسها والدته كيف تُبرحه ضرباً؟أنا لا أستطيع أن أنسى كم كانت قاسية معه ، كم تمنيت يومها لوكنت رجل وحميته منها ......لم يكن هناك من يحميه منها .....لم لم تفهم حقيقة أنه يتيم ؟ لم لم تضع نفسها مكانه ؟ أتصدق أنني لا زلت أتذكر نظراته لي وهي تضربه ...... إنا حتى لا أحبها للآن ....ابتسم أمان وقال : أنا فعلاً لا أحبها .محمد : لك كل الحق ،الغريب أمان أن الجيران لم يفعلوا شيئا لأجل ذلك اليتيم .حاولوا: قال أمان ..... قام أمان من مكانه وكأنه يحاول أن ينفض من نفسه ويتخلص من طاقة سلبية جثمت عليه ثم تابع : كانت كثيراً ماتستعين بسائقها لضرب ناصر ، أذكر أنه يوماً كسر غصناً من شجرة وراح ينهال على ناصر ضرباً ..... من أعطي ذلك الوحش حقاً بضرب ناصر سوى كونه يتيم بلا حماية وامرأة قلبها قُد من حجر .المهم أن الجيران طلبوا منها أن تُحسن معاملة ناصر وعلى الأقل تكف يد السائق عنه لكنها لم تفعل وقالت لهم أن ذلك ليس من شأنهم وأنه ولدها .محمد : هل لاحظت أن ناصر صار كثير الخوف ؟ أمان : ومع ذلك يتأخر عن العودة للمنزل ....قد سكن الخوف المنزل معه والأمان كان في الخارج ...عند الجيران .تغيرت ملامح أمان وأشرق وجهه وقال : ما أفرح قلوبنا جميعاً سماعنا خبر أن مندوب من وزارة الشئون جاء ليأخذ ناصر من تلك الإمرأة الشريرة فقد أبلغوهم بأن الصبي يتعرض لسوء معاملة ، وعندما رأوه فزعوا من منظره ،لقد كا هيكل عاي عظم .....دون مبالغة حتى أن عظم جبهته كان ناتئاً ..........عجباً كيف تكون بين أيدينا نعمة ومجال كبير للرحمة ونرميها ؟كيف نُغضب الله بالإساءة لأضعف خلقه؟محمد : انقطعت أخبار ناصر منذ ذلك الحين .أمان : كلا لم تنقطع فبعد فترة طويلة جاء ناصر للحي ....موظف متزوج ، ليتك رأيته ، إنسان راق يتصرف مع تلك السيدة وكأنها والدته بالفعل ، وكأنها أحسنت له العمر كله ، وظل يزورها مع أبناءه إلي أن تُوفيت .محمد : يالله ....إنه من نفس نوعية أُمي مريم طيب لآخر ذرة فيه .أمان : الدنيا مليئة بالطيبين وإن كثر عكس ذلك .....يفنى الإنسان وترقى مآثره بروحه لأعلى الدرجات .





.


الأحد، 12 يونيو، 2011

أمان ....١٦


جلس أمان تحت شجرته المُفضلة وأخذ يقلب بين راحتيه أوراقها التي تساقطت وتراكمت ، كل ورقة منها لا تُشابه أُختها ، كم هي جميلة رُغم جفافها , بدا الأمر وكأن أمان يقلب الماضي بيديه حينما يقلب تلك الأوراق ، تسارعت الأحداث وتسابقت وتزاحمت وتذكر أمان جود ابنة خالته تلك الفتاة الجميلة الخلوقة الناجحة بكل المقاييس ، كيف أنها فهمت أن ابن عمها هشام يرغب بالزواج منها والحقيقة أنها شعرت أنها تبادله تلك المشاعر الجميلة فآثرت أن تنتظر أن يتخرج من الجامعة ليتقدم لها ...انتظرت جود وطال انتظارها لأن هشام قرر في سنة التخرج أن يواصل دراساته العليا في الخارج وطلب منها أن تنتظره ....انتظرت جود فهي لا تريد غيره ، مرت الأيام والشهور والسنين وهشام لم يعود ....أخيراً عاد هشام وليته لم يعود فقد جاء وبجعبته مفاجأة كبر البحر لم يتحملها عقل جود ولا قلبها الرقيق ، قالها بملىء فمه : لا أُريد جود.
ماذا ؟ وبعد ماذا؟ لقد أضاعت شبابها بالإنتظار ....وكان بانتظارهم مفاجأة أُخرى فهشام يريد قريبة له أخرى .
توالت أحداث حياة هشام وكما خطط لها لكن آحداث حياة جود توقفت هناك ....حيث رفضها هشام وأنكرها ، جود فتاة ليست ككل الفتيات ، هي أشبه بالجوهرة ، كثر خُطابها ... الحقيقة أنها كانت تُحاول في كل مرة أن تمضي في حياتها كما مضى هو لكنها لم تستطيع وكأن حياتها أبت أن تسير ،وكأن صدمتها به منعتها من أن ترى الفرص ....فرص ،وكأنها ترى الرجل في حياتها سراب .
أحياناً تكون بعض الأحلام خادعة ....كاذبة .
أطرق أمان ثم مرت به أفكار فأخرج مذكرته وفتحها ليسمح لها بالإقامة فيها .....وسجل : هناك من قضي حياته كلها في انتظارشيئ ما , فكانت حياته قيد الإنتظار وقد أساء الإختيار حين انتظر وكدرصفوها.
ليس كل شيء أو شخص يستحق الإنتظار ....فإن لم يستحق الإنتظار ...هل يستحق الوقوف ؟
أحيانا يتطلب الأمر أن نختار الصعب ومالاتوافق عليه عاطفتنا حتى تكون حياتنا جديرة بأن تُعاش .... حياة كلٌ منا غالية ولا يجب أن تتعثر أو تصطدم بالأشياء والأشخاص وكل تجربة فيها سلبية أو قاسية لاتزيد عن كونها تحدي .....لم يُسلب فيه حقنا في الإختيار .
قال أمان في نفسه : أحسنت أمان .


نظر أمان للأعلى ولاحظ كيف أن الشجرة جميلة حتى وهي تتخلى عن أوراقها وكأن كل ورقة تسقط تُمثل درس أُخذت فائدته لتظهر أوراق من جديد تحمل معها تحدي من نوع آخر يُرسخ فكرة أن الشجرة خلق أصيل ، كما هي مخلوقات الله ...سبحان الله.
كل المآسي التي عشناها صارت أطلال ولم يتبقى منها سوى ظلال أضفت نوع من الجمال والقيمة على لوحة حياتنا ....ظل لم تصنعه المأساة لأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك بل صنعناه نحن بيدنا ,صنعته طريقة تعاملنا معها وكل منا مُتفرد في درجة ومساحة ظله لا يتشابه ظلان رغم كثرتنا ، وكل منا مُتميز بطريقته سواء وعي ذلك أم لا ، لكن الأكيد أننا إن أدركنا تميزنا صار أداء نا أفضل .


أغلق أمان كراسته وتساء ل في نفسه كيف نختار أن نفوت الفُرص بإرادتنا ؟
هل يكمن السبب في أننا لا ندرك أنها فُرص ؟
وإلا فكل يوم جديد فرصة لفهم جديد و حقيقة كانت غائبة أو مُتوارية هل لأننا لم نُمعن التفكير ؟ أم لأننا انجرفنا وراء العاطفة ؟ كل حوار فرصة لإصلاح أمرٌ مُعلق دام سنين وكل سوء فهم فرصة ودعوة لفهم الآخر وكل صعوبة ولحظة سعيدة فرصة لصبر وشكر وتعلُم .....يُسمى هذا الاسلوب التعامل بإيجابية .
الحقيقة أن كل منا يملك ويتمتع بحرية الإختيار في كل يوم من أيام حياته ,فهل نتعامل مع الأشياء والأشخاص بطريقة إيجابية ؟
هل نتعامل مع أنفسنا بإيجابية ؟ .... عندما نختار أن نهدر الأيام في نفس المكان ؟ أم تُرانا أضعنا الوجهة و البوصلة ؟



طرحت ذكرى أُخرى نفسها ولفتت انتباه أمان فتذكر بلحظة كيف أن جاره جمال دائم التذمر من حاله ، لم يكن راض عن شيئ فيها ،كثيراً ما قارن أبناء ه بأبناء الآخرين وكيف كان ينتقدهم علناً ، وكثيراً ما كان يستعمل العصا في إصلاحهم ....حتى صار الأبناء يتجنبون الحديث معه فشعوره بعدم الرضا وغضبه بمناسبة وغير مناسبة أشعرهم بالنقص رُغم أن لا شيء ينقصهم ، كم لفت أمان نظر جمال لهذا الخطأ الفادح لكنه كان كمن لا يسمع إلا صوته ....وهل تنفع النصائح إن لم نعي أن ما نقوم به خطأ ... لن تنفع .
كبر الأبناء وتزوجوا لكن كبر معهم شعورهم بالاستياء نحوه ....في يوم ما كان أحد الأبناء يتجول مع أمان بسيارته فمر ببيته القديم (بيت والده) فقال بحسرة وصوت مخنوق ( الله لا يذكر صاحب هذا البيت بخير ) ما أقساها من جملة لم يستطيع أمان أن ينساها ، كم أحزنته
....الواحد منا بدلاً من أن يعين ابنه على بره تجده يعينه على عقوقه ...نحتاج لأن يذكرنا الناس بخير ، وشهادتهم بما كان منا مهمة ،فكيف بشهادة أبناء نا ؟
المُفترض بنا أن نكون مصدر استقرار وأمان لأبناء نا ....أن نشعر بأننا خُلقنا لأجلهم ، نقدم لهم عملياً أفضل ما نود أن نتركه وراء نا ليعيش من بعدنا .
كم واحد منا ربما لم يعجبه تصرف ما، من أحد والديه وقرر من فترة طويلة حتى قبل أن يتزوج أنه لن يتصرف مثله ثم تجده يتصرف بنفس الطريقة ....وحينما يقوم بذلك تقفز الذكرى لتذكره أن هذا التصرف لم يُعجبه سابقاً وأنه تحول إلى نسخة من والده .
التفت أمان وسأل أحمد ابن جاره جمال وقال له : كيف تتعامل مع الأبناء ؟
أحمد : بلين بمحبة ، لا أُريد أن أكون مثل والدي ... ثم أوقف السيارة ونظر إلى أمان وقال : أذكر أنني غضبت يوماً وفقدت سيطرتي على نفسي وضربت أحد أبنائي لكن عندما رأيته يبكي بحرقة تذكرت ضعفي وقسوة والدي فضممته إلى صدري وكأنني أضم أحمد الطفل الصغير وأقسمت له ألا يبدر ذلك مني ثانية .


هناك آفات تغتال حُسن خُلقنا كمقارنة أنفسنا بالآخرين ,التذمر والشكوى , نقد الآخرين والحكم عليهم ، عدم الرضا ، تتحول معها لوحة حياتنا الجميلة إلى كارثة وكل ذلك تم باختيارنا ....لا أحد يستطيع أن يسلبك حرية اختيارك ويُفسد عليك يومك ويُربكك إلا نفسك .
نهض أمان من مكانه وتابع سيره وهو يردد فرصة وعِبرة ...هكذا هي الحياة .