الثلاثاء، 28 يونيو 2011

أمان .....١٨



أسدل الليل أستاره على الكون وتزينت السماء برداء مليئ بالنجوم وكأن الجمال الذي تزين نهاراً بالغيوم ظهر بلون جديد ليلاً ...كتب أمان هذه الكلمات وهو جالس علي الشرفة يتأمل وقال في نفسه لقد وُلدنا وخُلقنا لنبني صرح كلٌ حسب همته وقوة نفسه .... ليظل ذلك الصرح يحكي قصتنا لأزمان طويلة.... نعيش حياة مكونة من قراراتنا الخاصة وإن أنكرنا ذلك ولُمنا الآخرين عليها (في حال اخفاقنا) ، قد تكون الحياة مليئة بالأشواك ، قد تكون صعبة لكن النجاح يستحق منا أن نُصر عليه ومطلبنا يستحق كل ذلك العناء .
انتصف الليل وبدا الكون هادئ ، خرج أمان من منزله وقال في نفسه: لاشيئ يضاهي جمال وسكون الليل ... المشي بذاته يصفي الذهن فكيف إن صاحبه هدوء . وسكون وصور ناطقة بصمت .....لكان التأمل يكاد يكون مكتمل ، هناك طريقان أيهما أسلك ؟ سأل أمان نفسه أحدهما مضاء والآخر مظلم ... فلأسلك المظلم ، كم أعشق الغموض ، أحياناً أشعر وكأنني أتعمد أن أتعلم بالطريقة الصعبة ...حسناً هاقد وصلت له .
وما هي إلا بضع خطوات بدت وكأنها ثابته وإذا بصوت خطوات خلفه . تحاكي خطواته .... قال أمان في نفسه : لم تعد طفلاً مم أنت خائف ؟ وأين عشقك للغموض ؟ انتظر وسيتجاوزك صاحب تلك الخطوات ، شد إليه أطراف معطفه وكأنه يحمي نفسه وتابع السير لكن بقليل من الحذر وكثير من الإنصات لكل خطوة وهذا ماجعل التأمل يغادر المكان ويترك أمان مع ذلك الذي أشغل فكره وكل حواسه .... أخيراً وقف أمان في مكانه وتفاجأ بأن الرجل ، أو بالأحرى صاحب الخطوات يقف ، وقبل أن يلتفت خاطبه الرجل قائلاً : ماذا ، ألن تُكمل سيرك ؟
التفت أمان وعندما رأى الرجل قال: أنت ؟
رد عليه صهيب : نعم أنا ، أحببت أن أُرعبك ولكنني لم أستطيع .
قال أمان في نفسه (لقد نجحت) لكنه ابتسم وظهر كمن لم يتأثر بالموقف وهو يعلم أنه أصابه ما أصابه من الخوف إنما الظهور بمظهر الشجاع شيئ جيد .
أهلاً بالجار العزيز ... قال أمان .
صهيب : أهلاً أمان ، لم أرك منذ مدة وشاهدتك الآن تتريض قلت أقطع عليك انسجامك مع نفسك وأُسليك ،وإلا مارأيك ؟
أمان: حياك الله ، ليتك ياصهيب تتريض معي كل يوم ، ألا ترى أن الشارع ازداد نوراً بحضورك ؟
صهيب: بلى ،نور غير طبيعي.....ثم نظر لأمان نظرة فاحصة وقال : بس لو أعرف من أين تأتي بهذه الكلمات المرتبة .
ابتسم أمان وقال: بعضاً مما عندكم .
قال صهيب: لا والله ماعندي مثلها .....أهو هروب من الإجابة ؟
أمان : لا وهل أجرؤ ؟ هي موهبة ياجاري ولا تُظهر نفسها إلا عندما يكون شعوري حقيقي .... لم أقل يوماً كلاماً لا أعنيه ، أشعر أن المكان ينور
عندما يتواجد به شخص أُكن له الود يضيئ أكثر وتضيئ معه نفسي .
صهيب : أنت أصل النور وسره .
أمان : ماذا؟ ....ماذا أسمع ؟ وتقول من أين آتي بالكلمات ؟ لقد تغلبت على ياعزيزي ..... ضحك الإثنان وتابعا المسير.
صهيب: بم كنت تفكر قبل أن أقطع عليك حبل أفكارك ؟
أمان: بالحياة يا صهيب ، بماحققناه ، بمانريد أن نتركه خلفنا ...بالذكري الطيبة كما حققها من سبقونا ،أقصد أفضل الناس ممن سبقونا .
صهيب : أغلبنا أمان في تخبط وحيرة ،فإيقاع الحياة سريع ، سرعان ما تأخذنا الحياة بعيد عن أهدافنا ، بعيداً عن أنفسنا .
أمان : سأحكي لك عن بداية رحلة الحياة .....بدأت بقصة مولدك ثم عشت في بيت جميل ورأيت أماكن غريبة .....
ومضيت في طريقك ، دراسة ووظيفة وزواج واليوم ... وبعدما قطعت جزء ليس بالقليل من الرحلة قد تكون حققت نتائج مبهرة
وقد لا تكون حققت شيئ يُذكر .
تظن أن الوقت مازال مبكراً على تحقيق حلمك ...هذا إن فكرت بذلك الحلم ، قد تؤجل إنجازه لحين تتفرغ له عندما تنتهي مسئولياتك
لكنها لا تنتهي ، وبلمح البصر قد تصل لساعة نزولك من سفينة الحياة دون أن تترك الأثر الذي رغبت به لأنك ما ركزت عليه بمايكفي
وألهتك وشتتت تفكيرك الدنيا فأضعت أوقات ثمينة دون أن تدري ....أو هكذا اخترت .

ظننت أن الوقت في صالحك وهو يعمل ضدك ....إذ كيف تهمل شيئ ويخدمك؟
شخص أمان ببصره وصمت برهة حتى أن صهيب ظن أن الحديث انتهى لكنه أكمل :
الوقت الذي تستغرقه رحلتنا قصير واسأل من عاش فوق الثمانين سنة ليؤكد لك كم كانت حياته قصيرة .
فإن قبلت أن الحياة مجموعة تحديات وقياس للقدرات والإمكانات ، إن أدركت أن للوقت قيمة عالية غلا جوهر روحك وعلا شأنها .
مهما كبر التحدي أو آلمت التجربة لن يزيدا عن كونهما اختبار وقتي ..... والإختبار لا يأتي كل يوم لكنه عندما يحين موعده يُخرج كل إمكاناتك
وأفضل مالديك ، من لا يواجه الصعوبات ويحسن إدارتها (يعيش في دائرة الأمان ) فسيظل داخلها ولن يصل لشيئ .....أما وقتك
فهو بضعة منك ولا يجب أن تبعثره هنا وهناك .
صهيب : قد تفوتنا فرص في هذه الحياة لأننا ربما لم نتعرف عليها عندما برزت وأظهرت نفسها ...لم نُميز معالمها لأننا لم نحدد
ماذا نريد وعندما لاحت في الأفق شككنا بها ولم نتيقن إن كانت فرصه أو لا .
أمان : تماماً ، لذا علينا أن نحدد ماذا نريد .... أما تحقيقه في تلك المرحلة فسيكون سهل .
صهيب : نحن نشكل حياتنا من خلال أفكارنا ،قد لا نهتم بشيئ ما فنفقده ..... وقد نعتبر شيئ ما قوة فنحرص عليه .
أمان : فالنحذر من الأفكار التي نعتنقها ، انصت وتعلم من المُتفاذلين الواثقين من نجاحاتهم ،الواضحة أهدافهم والمحققين لجز كبير منها .
صهيب : مضت الساعة بسرعة كبيرة ، استمتعت بصحبتك .
أمان : وأنا كذلك .

هناك تعليقان (2):

Ahmed Mustafa - zema يقول...

اختي الحياة الطيبة
اعجبني اول ما اعجبني الطريقة التي تحدثا بها سويا .. فكم منا يتقن ان يتحدث بهذه الشفاية و الوضوح و العمق مع صديقة

ثانيا يعجبني اصرارك الدائم في كل طرح تطرحينة عن الفرص الضائعة في الحياة و سوء عاقبة تركها
و لكن مازلت اختلف معك قليلا .. قد لا اختلف في هذه التدوينة بذاتها فكل ما فيها صحيح و منطقي و لكن في الواقع او الحياة المنطقية لا تمنحنا الفرص المهدرة انما تمنحنا فقط ما هو لنا
لذلك اي فرصة اراها فرصة اهدرتها اعلم انها لم تكن فرصة بالاساس لانها لو كاتنت فرصتي لكانت كتبت لي

جزاك الله خيرا على طرحك الطيب اختي
تقبلي مروري و دمت بخير و صحة و عافية باذن الله :):)

الحياة الطيبة يقول...

أحمد Zema من يملك نفس صافية يستطيع بالتأكيد أن يتكلم بهذا الوضوح وهذه الشفافية والخير موجود في الجميع ويتطلب الأمر الكثيز من الصبر لاستخراجه وأكثر ما نحتاجه الصبر ، هذا أولاً .... أما ثانياً فشكراً لك أحمد فقد نبهتني لشيئ لم أُدركه
وهو أنني أُركز في كتاباتي على الفُرص الضائعة في الحياة ... ولا زلت أختلف معك في أننا أضعنا فُرص لقلة خبرتنا أو قلة وعينا حينذاك وعلينا أن نتحمل مسئولية أنفسنا ونعترف بذلك ..... أسعدني مرورك وأسعدتني إضافتك وثناوك ، دمت بخير ، تحياتي.