
توقف أمان مع صديقه خالد لتناول القهوة وهو يدرك تماماً أن خالد بحاجة لأن يفرغ كم من الضغوط التي يرزح تحتها ,خالد إنسان دمث الخلق هين لين مع الكل وليس فقط مع أهل بيته عندما تنظر إلى عينيه تقرأ فيهما صدق غير طبيعي , خالد نوع نادر من البشر ,يحفظ الذكرى ,وفي ,مهتم بأمر الآخرين ,مرح ....سأل أمان :خالد هل سبق أن أتيت إلى هنا؟
رد خالد:كلا هذه أول مرة ,أنا عادة أذهب لأماكن معينة .
قال أمان : ولم ذاك ؟ التغيير جيد ومهم ,ثم واصل حديثه قائلاً عندما تجرب الجلسة هنا أعتقد أنه سيكون مكانك المفضل .
لاحظ أمان كما لو أن خالد يحاول أن يخفي شيئاً ....نظر أمان في عينيه مباشرة ورسم على وجهه ابتسامة فقهقه خالد بصوت عال وقال :هذه طريقتك القديمة في استخلاص المعلومات ....مضت عشرون سنة ولم تُغيرها.
رد أمان :أجدها نافعة ,ألا ترى ذلك .
قال خالد :هي كذلك ثم ارتشف قهوته.
عندها شعر أمان أن هناك مدخل يستطيع منه أن يصل لما يزعج خالد فقال:
كثيراً ما تأخذنا توقعاتنا لمكان جميل نصطدم بعده بواقع أقل ما يُقال عنه أنه محبط والغريب أننا نتمسك بالتعامل باسلوب غير مجدي ونتوقع أن يتغير الواقع للأفضل من تلقاء نفسه دون أن نتصرف بطريقة مختلفه ,هل هو نوع من التخلف أم هوكسل أو ربما تعودنا عدم تحمل المسئولية وصرنا نرغب بالحلول الجاهزة .... أحياناً تُسيطر علينا العاطفة فنضعُف ولا نعد قادرين على فعل الصواب رغم سهولته ,كل ماسبق يُبقي الوضع على حاله وكما هو ,ثم نتعجب ونتساءل (كيف أصابتنا خيبة الأمل ؟).....قد خذلنا أنفسنا ....كان يجدر بنا أن نقلب المشاعر بالحكمة إلى مشاريع .
أحياناً نكون معرضين لشعور بالحزن نزعم أننا لا نعرف كنهه ولا نملك أن نتغلب عليه لكن الحقيقة أننا نملك كل الإجابات والإمكانات الكافية لنتخطاه .
قال أمان : أنا أُلاحظ مسحة الحزن هذه.
قال خالد:أية مسحة ؟
رد أمان :تلك التي تعلو وجهك .صمت خالد برهة ....فلم يكن من السهل على خالد أن يتخلى عن ذلك الطفل الشقي داخله ويبدو بمظهر الحزين الضعيف ليلاحظه أمان صديق عمره لكن تلك الهموم الصغيرة تعاظمت حتى أنها حبست الفرحة داخله ,لطالما كان خالد صبور ولطالما كان خير من يستطيع أن يقلب حالته المزاجية السالبة للطرف الآخر النقيض لها على أبسط سبب , أما الآن فالوضع يبدو وكأنه ميئوس منه ....هكذا يبدو فبماذا يجيب ؟ لم يصدق أن الكلمات ضاعت من أمامه ....أطرق ثم أشار بيده وكأنه يؤدي دوراً صامتاً ثم قال :رياح متقلبة أمان ...إخفاقات لا ينجو منها أحد ,ثم أردف : لا أريد أن أُصيبك بالكدر ,ثم أشاح ببصره نحو النافذة وكأنه يعيد تصور ما يحزنه .
تابع ........قال أمان : لاأريدك أن تتوقف ولن يُصيبني الكدر فلا تقلق علي .
خالد: حسناً أشعر بنوع من الإكتئاب , فقدت رغبيتي بالأشياء حتى أنني أرجأت اهتمامي بما كنت أعتبره شيئ أساسي في يومي ويحقق لي نوع من السعادة .
قال أمان: ولم ذاك ؟
خالد: هناك أمور تتطلب الحزم والحسم مع الأبناء وأنا مقصر تقصير شديد وأنا أعني هذه الكلمة و لكنني لا أجيده أو هكذا أظن .
أمان :نعم هكذا تظن ...هو ذاك وهو مجرد ظن وأنت حتماً تُجيد الحزم لكنك لا تُفعله فابحث عن السبب .
صمت أمان قليلاً ثم تابع :الحزم خالد لا يجعلك تخسر الطرف الآخر ....كلا إنه يجعلك تحافظ عليه ,واللين والتساهل والمجاراة وغض الطرف عن الأخطاء لا يجعلك فقط تخسره وإنما تجعله يخسر نفسه ,فلم تعلمه شيئ جيد ولم يستفيد منك وسيظن أن الآخرين مثلك وسيصطدم فيما بعد فيهم ,وتكون قد قصرت في واجبك وأخرجت للمجتمع إنسان غير مسئول وأناني.
أخفض أمان من نبرة صوته وتابع : وظيفتنا في الحياة أن نُخرج أبناء صالحين ما استطعنا ونبذل الجهد ونكابد الصعاب في طريقنا هذا ...هو طريق ليس بالسهل لا لنا ولا لهم لكن نتائجه عظيمة ।.
خالد : مشكلتي في تساهلي .......هم نقطة ضعفي.
قل هم مصدر قوتي , لم لا يكونون مصدر قوتك بدل ضعفك ؟
كيف ؟
كن حازم وعلمهم شيئ جديد ......عرفهم على جانب ثاني من شخصيتك لم يعرفوه وتعامل معهم به ,صدقني سيُغيرون طريقة تعاملهم تناسباً مع ردود أفعالك تجاه التصرفات التي لا تعجبك فيهم ,وعندما يجدون مدى حزمك سيتحولون لمصدر قوة لك ,سيحرصون على أن ينالوا رضاك لأنهم تعلموا من صلابة موقفك أن يحترموك ,ولن تعد حزيناً كما أنت الآن .
ابتسم خالد .....وكأن الحزن سحابة عبرت بسرعة هائلة , أشرق وجهه من جديد وقال: نحتاج لمن يذكرنا عندما ننسى أو تضيع أفكارنا منا بفعل الضغوط ।
قال أمان : نعم هكذا ....أريد أن أرى هذه الإبتسامة دوماً .
شكراً أمان أعدت لي ما كان لي وظننت أنني لا أملكه ,الجلسة معك تغسل الروح من التوتر .
لهذا وُجد الأصدقاء ,عموماً على الرحب والسعة والآن ادفع الحساب .
قال خالد :من عيني
ردأمان: كلا من جيبك .
ضحك وقال:سأفعل .
لا تفعل أمزح معك دعها للمرة القادمة .